عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
131
اللباب في علوم الكتاب
والمنكرون لهذه العجائب صمّ لا يسمعون كلاما ، بكم لا ينطقون بالحق ، خائضون في ظلمات الكفر ، غافلون عن تأمّل هذه الدلائل « 1 » . قوله : مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ في « من » وجهان : أحدهما : أنها مبتدأ ، وخبرها ما بعدها ، وقد عرف غير مرّة . ومفعول « يشأ » محذوف ، أي : من يشأ اللّه إضلاله . والثاني : أنه منصوب بفعل مضمر يفسّره ما بعده من حيث المعنى ، ويقدّر ذلك الفعل متأخّرا عن اسم الشّرط لئلا يلزم خروجه عن الصّدر . وقد تقدّم التّنبيه على ذلك ، وأن فيه خلافا ، والتقدير : من يشق اللّه يشأ إضلاله ، ومن يسعد يشأ هدايته . فإن قيل : هل يجوز أن تكون « من » مفعولا مقدّما ل « يشاء » ؟ فالجواب : أن ذلك لا يجوز لفساد المعنى . فإن قيل : أقدّر مضافا هو المفعول حذف وأقيمت « من » مقامه ، تقديره : إضلال من يشاء ، وهداية من يشاء ، ودلّ على هذا المضاف جواب الشرط . فالجواب أن الأخفش حكى عن العرب أنّ اسم الشّرط غير الظرف ، والمضاف إلى اسم الشرط لا بد أن يكون في الجزاء ضمير يعود عليه ، أو على ما أضيف إليه ، فالضّمير في « يضلله » و « يجعله » : إمّا أن يعود على المضاف المحذوف ، ويكون كقوله : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ [ النور : 40 ] . فالهاء في « يغشاه » تعود على المضاف ، أي : كذي ظلمات يغشاه . وإمّا أن يعود على اسم الشرط [ والأول ممتنع ؛ إذ يصير التقدير : إضلال من يشأ اللّه يضلله ، أي : يضلّ الإضلال ، وهو فاسد . والثاني أيضا ممتنع لخلو الجواب من ضمير يعود على المضاف إلى اسم الشرط ] « 2 » . فإن قيل : يجوز أن يكون المعنى : من يشأ اللّه بالإضلال ، وتكون « من » مفعولا مقدّما ؛ لأن « شاء » بمعنى « أراد » ، و « أراد » يتعدّى بالباء . قال الشاعر : [ الطويل ] 2157 - أرادت عرارا بالهوان ومن يرد * عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم « 3 » قيل : لا يلزم من كون « شاء » بمعنى « أراد » أن يتعدّى تعديته ، ولذلك نجد اللفظ
--> ( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) تقدم .